الحقُّ المبين في كشف شبهاتٍ من عقائد التجانيين [الجزء الثاني]

table
عرض المقال
 

 

الحقُّ المبين في كشف شبهاتٍ من عقائد التجانيين [الجزء الثاني]

  • عدد الزيارات : 4101

  • تاريخ النشر : الأربعاء 5 شهر ربيع الأول 1434هـ الموافق 16 يناير 2013م


  • الحقُّ المبين في كشف شبهاتٍ من عقائد التجانيين
    [الجزء الثاني]

    الفصل الثالث: عقيدتهم في النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم

    اعتقادهم رؤيةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقظةً:

    من أعظم الأصول التي تمسَّك بها التجانيون وبَنَوْا عليها غالب معتقداتهم ادِّعاؤهم رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقظةً لا منامًا، وهذه بعض النصوص الموضِّحة لعقيدتهم:

    قال في «جواهر المعاني»: «قال رضي الله عنه: أخبرني سيِّد الوجود يقظةً لا منامًا قال لي: أنت من الآمنين، ومن رآك من الآمنين إن مات على الإيمان..»(1).

    وقال في «رماح حزب الرحيم»: «ولا يكمل العبد في مقام العرفان حتى يصير يجتمع برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقظةً ومشافهةً..»(2).

    وقال في «بغية المستفيد»: «..منهم من يرى روحه في اليقظة متشكِّلةً بصورته الشريفة، ومنهم من يرى حقيقة ذاته الشريفة وكأنه معه في حياته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وهؤلاء هم أهل المقام الأعلى في رؤيته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم»(3).

    وقال في «الدرَّة الخريدة»: «وأمَّا الذي هو أفضل وأعزُّ من دخول الجنَّة فهو رؤية سيِّد الوجود صلَّى الله عليه وسلَّم في اليقظة، فيراه الوليُّ اليوم كما يراه الصحابة رضي الله عنهم فهي أفضل من الجنَّة..»(4).

    تفنيد شبهة التجانيين:

    اعتمد التجانيون لإثبات عقيدة رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقظةً لا منامًا على ما رواه البخاريُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه: «مَنْ رَآني في المنَامِ فَسَيَرَاني في اليَقَظَةِ وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشيْطَانُ بي»(5)، قالوا: فالحديث صريحٌ في رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقظةً بعد موته في الدنيا، ودعوى الخصوص تعسُّفٌ لأنها بغير مخصِّصٍ(6).

    والجواب على هذه الشبهة من وجوه:

    الحديث بالرواية التي استدلَّ بها التجانيون ليس صريحًا فيما زعموه؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قد مات، ورؤيته بعد موته من المستحيلات، إذ يلزم منها رجوعه إلى الحياة الدنيا بعد أن فارقها، وليس ثمَّةَ ما يدلُّ عليه، ولذلك وجب تأويل حديث أبي هريرة رضي الله عنه على وجهٍ يتلاءم والنصوصَ المصرِّحة بموته صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد حمله العلماء على وجوهٍ:

    الوجه الأوَّل: أنه على التشبيه والتمثيل، ويدلُّ عليه الرواية الأخرى للحديث وهي: «لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي اليَقَظَةِ»(7).

    الوجه الثاني: قد يكون المقصود به من عاصره صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ولمَّا يَرَه بعدُ، قال ابن التين: «المراد من آمن به في حياته ولم يَرَه لكونه حينئذٍ غائبًا عنه، فيكون بهذا مبشِّرًا لكلِّ من آمن به ولم يره أنه لا بدَّ أن يراه في اليقظة قبل موته»(8).

    الوجه الثالث: أنَّ من رآه على صفته التي كان عليها في الدنيا فمنامه ذلك هو الصحيح، ورؤيته له حقٌّ «وقال ابن بطَّالٍ: قوله فسيراني في اليقظة يريد تصديقَ تلك الرؤيا في اليقظة وصحَّتها وخروجها على الحقِّ»(9).

    الوجه الرابع: أنه يراه يقظةً يوم القيامة، وردَّ ابن بطَّالٍ هذا التأويلَ بأنْ لا خصوصية لمن رآه في المنام، لأنَّ جميع أُمَّته ستراه يوم القيامة، سواءٌ من رآه في المنام ومن لم يره(10).

    وأمَّا التفسير الذي بنى عليه التجانية عقيدتهم فباطلٌ من وجوه منها:

    1- أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قد مات، ورؤيته بعد موته يقظةً مستحيلٌ شرعًا؛ لأنه مُنافٍ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].

    2- أنَّ جمعًا غفيرًا من سلف الأُمَّة وخلفها قد رأَوْه في المنام، ولم يذكر واحدٌ منهم أنه رآه في اليقظة، فلو حُمل الحديث على ظاهره للزم منه ادِّعاء الكذب على رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وخبر الصادق لا يتخلَّف.

    3- ولو حُمل على ظاهره لكان هؤلاء الذين رأوه منامًا صحابةً، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة.

    4- أنَّ حمله على ظاهره يلزم منه لوازم باطلةٌ منها: أن لا يراه أحدٌ إلاَّ على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في وقتٍ واحدٍ في مكانين، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشيَ في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلوَ قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيءٌ فيزار مجرَّد القبر ويسلَّم على غائبٍ لأنه جائزٌ أن يُرى في الليل والنهار مع اتِّصال الأوقات على حقيقته في غير قبره.

    قال القرطبيُّ: «وهذه جهالاتٌ لا يبوء بالتزام شيءٍ منها من له أدنى مسكةٍ من المعقول، وملتزمُ شيءٍ من ذلك مختلٌّ مخبولٌ»(11).

    واعتمدوا على شبهةٍ أخرى:

    «أنَّ رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقظةً بعد موته في الدنيا قد وقعت لجمعٍ غفيرٍ من سلف هذه الأُمَّة منهم: الشيخ أبو مدين المغربي شيخ الجماعة، والشيخ عبد الرحمن القناوي، والشيخ أبو العبَّاس المرسي، والشيخ أبو السعود بن أبي العشائر، وإبراهيم المتبولي، والشيخ جلال الدين السيوطي، وغيرهم»(12).

    وجوابها:

    بغضِّ النظر عن صحَّة سند ما ذكروه فلا يمكن الاعتمادُ على مجرَّد حوادثَ حُكيت عن بعض الصالحين وتُجعل دليلاً لإثبات ما نفته الأخبار الصحيحة، وما وقع لهؤلاء الشيوخ -إن صحّ- فلا يسلمون من تلبيس الشيطان عليهم، كما أنَّ رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقظةً بعد موته لم تُنقل عمَّن هُم أفضلُ مِن هؤلاء المذكورين من أهل القرون الثلاثة المفضَّلة، لاسيَّما مع وقوع حوادثَ كانت الأمَّة الإسلامية بأمسِّ الحاجة إلى ظهوره لحسم الخلاف فيها ودفع الفرقة والاختلاف:

    - كاختلاف المهاجرين والأنصار على الخلافة وبقي النزاع بينهم مستمرًّا ثلاثة أيَّامٍ شغلهم عن دفن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فلم يظهر صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لأفضل أُمَّته بعده ليخبره أنه الخليفة وينقطع بذلك النِّزاع في أمرٍ مُهِمٍّ.

    - وكاختلاف أبي بكرٍ رضي الله عنه مع فاطمة رضي الله عنها على ميراث أبيها صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

    - ما وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهةٍ، وعليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عن الجميع من جهةٍ أخرى، حتى وقعت حرب الجمل فقُتل فيها خلقٌ كثيرٌ من الصحابة.

    - وخلاف عليٍّ رضي الله عنه مع الخوارج، وكذا ما وقع بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما من النِّزاع.

    ففي كلِّ هذه الحوادث وغيرها لم يُروَ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ظهر لأصحابه رضي الله عنهم يقظةً ليفصل بينهم مع أنهم أصحابه، فكيف يظهر لمن هو دونهم منزلةً وتقوى؟!!

    ثمَّ إنَّ إثبات التجانيين لعقيدة رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقظةً والالتقاء به حسِّيًّا ومشافهته بعد موته أصلٌ عظيمٌ من أصولهم الاعتقادية بَنَوْا عليه كثيرًا من عقائدهم ودينهم، وفتحُوا بذلك باب شرٍّ كبيرٍ يعود على الإسلام بالهدم، وعلى أصوله السليمة بالنقض، حيث يَدَّعي من اشتهى منهم أنه يتلقَّى العلم مباشرةً من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال محمَّد العربي التجاني ناقلاً عن الشيخ أحمد الزاوي قوله: «طريقتنا أن نكثر من الصلاة عليه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم حتى نصير من جلسائه ونصحبه يقظةً مثل أصحابه، ونسأله عن أمور ديننا وعن الأحاديث التي ضعَّفها الحفَّاظ عندنا ونعمل بقوله فيها»(13)، وجاء في «جواهر المعاني» عن التجاني أنه قال: «رأيته مَرَّةً صلَّى الله عليه وسلَّم وسألته عن الحديث الوارد في سيِّدنا عيسى عليه السلام، قلت له: ورد عنك روايتان صحيحتان: واحدةٌ قلت فيها: يمكث بعد نزوله أربعين، وقلت في الأخرى: سبعًا.. ما الصحيحة منها؟ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: رواية السبع»(14).

    وهذا ضربٌ لجهود علماء الحديث وإهدارٌ لها، فكان يكفي البخاريَّ ومسلمًا وغيرهما وهما أشرف من التجاني أن يلتقوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم منامًا ليسألوه عن الأحاديث المختلف فيها بدل أن يُفنوا أعمارهم في الرحلات ويلاقوا فيها المشقَّة والتعب.

    ومن جهةٍ أخرى: فإنَّ ما يَدَّعيه التجاني مخالفٌ للنصوص المصرِّحة بانقطاع الوحي بموت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد حملهم ذلك على أن ادَّعوا أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قد كتم شيئًا ممَّا أوحي إليه، وهذه بعض نصوصهم الموضِّحة لذلك:

    اعتقادهم بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كتم شيئًا من الوحي:

    - قال في «جواهر المعاني»: «فلمَّا انتقل إلى الدار الآخرة وهو كحياته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في الدنيا، سواءٌ صار يُلقي إلى أُمَّته الأمر الخاصَّ للخاصَّ»(15).

    - قال كذلك: «وسألته رضي الله عنه: هل خبر سيِّد الوجود بعد موته كحياته سواءٌ؟ فأجاب رضي الله عنه بما نصُّه: الأمر العامُّ الذي كان يأتيه عامًّا للأمَّة طُوي بساط ذلك بموته صلَّى الله عليه وسلَّم، وبقي الأمر الخاصُّ الذي كان يلقيه للخاصِّ، فإنَّ ذلك في حياته وبعد مماته دائمًا لا ينقطع»(16).

    - وقال مؤلِّف «الجيش الكفيل»: «وسئل: هل كان صلَّى الله عليه وسلَّم عالمًا بفضل «صلاة الفاتح لِما أُغلق؟» فقال: نعم كان عالمًا به، قالوا: ولِم لمَ يذكره لأصحابه؟ قال: لعلمه صلَّى الله عليه وسلَّم بتأخير وقته وعدم وجود من يظهره الله على يديه في ذلك الوقت»(17).

    شبهتهم:

    استند التجانيون في تقرير ما ادَّعوه من أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يبلِّغ جميعَ ما أُمر به إلى شبهاتٍ واهيةٍ منها:

    1- قال مؤلِّف «الجيش الكفيل»: «وفي فقه الأعيان للشيخ سيدي المختار الكنتي رحمه الله تعالى ما نصُّه: قال عليه الصلاة والسلام: «أخذتُ ليلة أسري بي ثلاثة علوم: علمٌ أُخذ عليَّ العهد أن أبلِّغه للخاصِّ والعامِّ، وعلمٌ أُخذ عليَّ العهد أن لا أبلِّغه إلاَّ لخواصِّ أصحابي الذين يقدرون على حمله، وعلمٌ لا يقدر على حمله غيري فأُخذ عليَّ العهد ألاَّ أُخْبِر به أحدًا»، ثمَّ قال: «فإذا تقرَّر هذا علمتَ ضرورة أنه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يؤمر بتبليغ كُلِّ ما علمه، كيف وعنده علم الأوَّلين والآخَرين»(18).

    2- ومنها: أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال: «حفظتُ من رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وعاءين، فأمَّا أحدهما فبثثتُه، وأمَّا الآخَر فلو بثثتُه قُطع هذا البلعوم»، قال مؤلِّف «بغية المستفيد»: «ومعلومٌ أنه لا يُقْطَع منه البلعوم إلاَّ بإفتاء من لم يُطلعه الله تعالى على ما اختُصَّ به من العلم الذي يتحقَّقه في باطنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»(19).

    والجواب على هذه الشبهة على النحو الآتي:

    - أنَّ الحديث المستَند إليه مكذوبٌ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يذكر له المستدلُّ به سندًا، وليس مذكورًا في كتب الحديث والعلم إلاَّ في بعض كتب الصوفية.

    - أنه معارَضٌ بصريح القرآن والسنَّة: ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].

    وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

    وقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الجنَّةِ إِلاَّ قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌُ يُقَرِّبُكُمْ إِلى النَّارِ إِلاَّ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ»(20)، وشهدت له أمَّته بأنه أدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة كاملةً غير منقوصةٍ في أكبر المحافل يوم عرفة حيث قال: «أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: «نعم»، وكان يقول: «فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ»(21).

    - أمَّا الوعاء الذي كتمه أبو هريرة في أوَّل الأمر فليس فيه شيءٌ من علم الدِّين ومعرفة الله وتوحيده ولا شيءٌ من الأحكام التكليفية، إذ إنَّ هذا ممَّا لا يجوز كتمُه، وقد قيل: إنَّ الذي في ذلك الجراب أحاديث الفتن التي تكون بين المسلمين والملاحم التي تكون بين المسلمين والكفَّار، وامتنع عن التحديث بها قبل وقوعها لأنَّ ذلك ممَّا لا تحتمله رؤوس العوامِّ، وقيل: إنما كان يمتنع خوفًا من أن يسطوَ عليه أمراء بني أُميَّة، لِما يعرفه من الأحاديث المبيِّنة لأسامي أمراء السوء، وكان رضي الله عنه يكنِّي عن بعضها ولا يصرِّح خوفًا على نفسه، كقوله: «أعوذ بالله من رأس ستِّين وإمارة الصبيان» يشير بذلك إلى خلافة يزيد بن معاوية، واستجاب الله دعاءه ومات قبلها بسنةٍ(22)، وجهلُ ما كتمه أبو هريرة رضي الله عنه لا يضرُّ المؤمنَ، وليس ممَّا يقرِّب إلى الله تعالى من الأقوال والأعمال.

    إيمانهم بجواز التوسُّل بذات النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم:

    يؤمن التجانيون بجواز التوسُّل بذات النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وبالشيخ التجاني، ومؤلَّفاتهم مليئةٌ بالنصوص التي تدلُّ على ذلك:

    - قال مؤلِّف «رماح حزب الرحيم»: «وأمَّا كيفية التوسُّل به رضي الله عنه وبجدِّه صلَّى الله عليه وسلَّم فهي أنك مهما أردتَ حاجةً من حوائج الدنيا والآخرة فصلِّ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بنيَّة قضاء الحاجة التي تريدها ثمَّ تقول: يا ربِّ توسَّلتُ إليك بحبيبك ورسولك وعظيم القدر عندك سيِّدنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم في قضاء الحاجة التي أريدها -مائة مرَّةٍ- ثمَّ تقول: أسألك وأتوجَّه إليك بجاه القطب الكامل سيِّدنا أحمد بن محمَّد التجاني وجاهه عندك أن تعطيَني كذا وكذا، وتسمِّي حاجتك بعينها عشرًا..»(23).

    - وقال مؤلِّف «الدرَّة الخريدة»: «من زار من الإخوان الأحمديِّين شيخًا من المشايخ حيًّا كان أو ميِّتًا بقصد التوسُّل به والاستمداد غير شيخنا أبي الفيض(24) فقد خرج عن طريقة الأحمدية ولا إذن عنده فيها، بل انسلخ منها انسلاخ الجلد عن النعاج، وانفصل عنها انفصال البيض عن الدجاج..»(25).

    شبهاتهم:

    يستدلُّون بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35].

    ف «يؤخذ من هذه الآية على طريق الإشارة: وابتغوا إليه الوسيلة التي تنقطعون بها عن غيره لتصلوا به، ولا وسيلة أعظم من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا وسيلة إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعظم من الصلاة عليه صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن جملة ما يبتغي الوسيلة إلى الله تعالى الشيخ الكامل فإنه أعظم الوسائل إلى الله تعالى»(26).

    - وبما رُوي عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه قال: «توسَّلوا بجاهي فإنَّ جاهي عند الله عظيمٌ».

    - وبحديث عثمان بن حُنَيفٍ رضي الله عنه: «أنَّ رجلاً ضرير البصر أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: ادعُ اللهَ أن يعافيَني، قال: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضَّأ فيُحسن وضوءَه ويدعوَ بهذا الدعاء: اللَّهم إنِّي أسألك وأتوجَّه إليك بنبيِّك محمَّدٍ نبيِّ الرحمة، إنِّي توجَّهتُ بك إلى ربِّي في حاجتي هذه لتُقضى لي، اللهمَّ فشفِّعْه فيَّ»(27).

    - وبالقياس على المخلوق حيث قال مؤلِّف «الدرَّة الخريدة»: «..وتأمَّل بيوت الحكَّام تجدها لا بدَّ فيها من الواسطة، ففي سلوكنا للوسائط سلوكٌ للأدب معهم وسرعةٌ لقضاء حوائجنا، ومِن أين لأمثالنا أن يعرف أدب خطاب الله عزَّ وجلَّ؟»(28).

    تفنيد شبههم:

    ويمكن تفنيد ما اعتمدوا عليه لتجويز التوسُّل بذات النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وسائر مشايخهم بما يلي:

    أمَّا استدلالهم بآية المائدة فغير سليمٍ؛ ذلك لأنَّ الوسيلة التي وردت في الآية هي بمعنى التقرُّب إلى الله بالأعمال الصالحة كالصلاة وسائر الطاعات، وهذا الذي اتَّفق عليه الأئمَّة من المفسِّرين، قال ابن كثيرٍ -رحمه الله-:«قال سفيان الثوريُّ حدَّثني أبي عن طلحة عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ أي: القربة، وكذا قال مجاهدٌ وعطاءٌ وأبو وائلٍ والحسن وقتادة وعبد الله بن كثيرٍ والسدِّيُّ وابن زيدٍ وغير واحدٍ، وقال قتادة: أي: تقرَّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه»، ثمَّ قال بعدها: «وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمَّة لا خلاف بين المفسِّرين فيه»(29).

    ولم يَرِدْ عن أحدٍ من السلف أنَّ المقصود بالوسيلة هو النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو أحد المشايخ كالتجاني أو غيره، وهل تعطَّلت الوسيلة قبل التجاني والمشايخ؟! وتفسير الآية بهذا التفسير مع إجماع العلماء على خلافه تفسيرٌ باطلٌ، قال الألوسيُّ -رحمه الله-: «واستدلَّ بعضُ الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجَعْلِهم وسيلةً بين الله تعالى وبين العباد... وكلُّ ذلك بعيدٌ عن الحقِّ بمراحل»(30).

    - وأمَّا الحديث المذكور: «توسَّلوا بجاهي» فمكذوبٌ على النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وهذا الحديث كذبٌ ليس في شيءٍ من كتب المسلمين التي يُعْتَمد عليها»(31).

    ولا شكَّ أنَّ جاهه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ومقامه عند الله عظيمٌ، ولا يعني ذلك جوازَ التوسُّل بجاهه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فالخلط بينهما من قلَّة العلم والفقه.

    - وأمَّا حديث الضرير فليس فيه دليلٌ على جواز التوسُّل بذات النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو بجاهه، إذ قوله: «إنِّي أسألك وأتوجَّه إليك بنبيِّك» على تقدير محذوفٍ مضافٍ، أي: «بدعاء نبيِّك أو بشفاعته»، ويدلُّ على هذا المعنى أمورٌ كثيرةٌ منها:

    1- قول الضرير أوَّلَ الحديث: «ادعُ الله أن يعافيَني»، وقوله بعد ذلك: «فادعُهْ».

    2- قول النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ».

    3- قول الضرير في دعائه «اللهمَّ فشفِّعه فيَّ».

    4- أنَّ مجيء الضرير إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان بقصدِ أن يدعوَ له، إذ لو كان قصدُه التوسُّلَ بجاهه لكان يكفيه أن يجلس في بيته ويدعوَ قائلاً مثلاً: «اللهم رُدَّ إليَّ بصري بجاه نبيِّك محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم».

    كما أنه من جهةٍ أخرى دليلٌ في غير موضع الاستدلال، فالأعرابيُّ طلب من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أن يدعوَ له مع حضوره في حياته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فأين هذا من دعاء الأموات والالتجاء إليهم في الشدائد؟

    - وأمَّا استدلالهم بالقياس فغايةٌ في الفساد والقبح؛ لأنَّ الحكَّام إنما يحتاجون للوسائط: إمَّا لعدم معرفتهم بأمور رعاياهم، وإمَّا لعجزهم فيحتاجون لمن يعينهم، وإمَّا لكونهم ظَلَمةً يمنعون الرعيَّةَ حقوقَهم فتستعين الرعيَّةُ بوسيطٍ يُلين قلبَ الراعي تجاههم، والله سبحانه وتعالى صمدٌ غنيٌّ عن خلقه مُنَزَّهٌ عن النَّقص والعيب، لا يحتاج أحدًا من خلقه، وليس له ظهيرٌ ولا مُعينٌ لكماله عزَّ وجلَّ.

    فتبيَّن من هذا تهافُتُ شبهتهم ومخالفتُهم باعتقادهم هذا ما كان عليه الرعيلُ الأوَّل من الاعتقاد السليم الصحيح، وهم بهذا يجعلون بين الله وبين خلقه الوسائطَ من الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، فأنَّى لهم أن ينفعوا غيرهم.

    غلوُّهم في النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم:

    قال مؤلِّف «جواهر المعاني»: «..لا شكَّ أنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في هذا الميدان تامٌّ في نفسه لا يطرأ عليه النقص بوجهٍ من الوجوه، كاملٌ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، يُفيض الكمالات على جميع الوجود من العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأحوال والفيوضات والتجلِّيَّات والمواهب والمِنَح وجميع وجوه العطايا، فكلُّ ما يفيضه الحقُّ سبحانه وتعالى على الوجود مطلقًا ومقيَّدًا أو كثيرًا أو قليلاً ممَّا اشتهر أو شذَّ إنما يُفيضه بواسطة الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فمن ظنَّ أن يصل شيءٌ إلى الوجود بغير واسطة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فقد جهل أمْرَ الله، وإن لم يتبْ خسر الدنيا والآخرة بهذا الاعتقاد..»(32).

    شبهاتهم:

    يستدلُّون بقول النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَالله يُعْطِي»(33)، ووجه الاستدلال من الحديث ذَكَرَهُ مؤلِّف «جواهر المعاني» حيث قال: «أخبر أنَّ العطاء الأوَّل هو الاقتطاع الإلهيُّ كان متَّصلاً بالقسم على ما نفذت به المشيئة الإلهية، والاقتطاع أوَّلاً كان من الله لجميع خلقه، والتقسيم هو تناوُله من يد الملك أو من حضرته، وتوصيلُه إلى من أُمِر بإعطائه كان عنه صلَّى الله عليه وسلَّم، فهو في ذلك بمنزلة العبد الذي يأمره الملك بتوصيل العطايا إلى الناس فهو يوصلها إلى أربابها على قدر ما أراده الملك، فهذا معنى الحديث..»(34).

    والجواب: أنَّ هذا المعنى الذي ذكروه من أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم واسطةٌ بين الله وبين خلقه، وأنه قاسمٌ ما يقع في ملك الله من الخير والشرِّ بمَنْزِلة العبد مع الملك، باطلٌ يردُّه الكتاب والسنَّة، فإنَّ الله سبحانه وتعالى هو المتصرِّف دون سواه، وهو المالك للضرِّ والنفع، ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: 11]، وقال سبحانه: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]، فلو كان النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قاسِمَ ما يقع في ملك الله لَما ردَّ هؤلاء الصحابةَ الكرام، ولأعطاهم ما يتَقَوَّوْن به على أداء الجهاد في سبيل الله.

    والمعنى الصحيح للحديث أنَّ الله سبحانه هو المعطي وحده، والرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قاسمٌ يقسم ما بين يديه من الأموال والغنائم، لا ما ادَّعاه التجانيون من أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قاسِمُ كلِّ ما يقع في ملك الله من خيرٍ أو شرٍّ في حياته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وبعد مماته.

    قال ابن بطَّالٍ: «معناه: أنِّي لم أستأثر من مال الله تعالى شيئًا دونكم، وقاله تطييبًا لقلوبهم حين فاضل في العطاء فقال: الله هو الذي يعطيكم لا أنا، وإنما أنا قاسمٌ، فمن قَسمتُ له شيئًا فذلك نصيبه قليلاً كان أو كثيرًا»(35).

    وما ذكروه في حقِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ممَّا سبق نقلُه هو من الغلوِّ المنهيِّ عنه، كمثل قولهم: «ومن توهَّم أنه صلَّى الله عليه وسلَّم انقطع جميعُ مَدَدِه على أُمَّته بموته صلَّى الله عليه وسلَّم كسائر الأموات فقد جهل رتبة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأساء الأدب معه، ويُخشى عليه أن يموت كافرًا إن لم يتب من هذا الاعتقاد»(36)، فإنَّ الله سبحانه وتعالى خاطب نبيَّه بقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، وفي الحديث: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»(37)، وهذا يدلُّ على انقطاع الحِسِّ والحركة من الميِّت، وعلى أنَّ أرواحهم وأعمالهم منقطعةٌ عن الزيادة والنقصان إلاَّ ما استُثني كما في الحديث، وليس للميِّت تصرُّفٌ في نفسه فضلاً عن غيره، فكيف يدَّعي التجانيُّون أنَّ مَدَدَ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لأُمَّته مستمرٌّ بعد وفاته؟

    والمدد عند إطلاقه يراد به المَدَد الحِسِّيُّ كالرزق والإبراء والإعانة، ويراد به المعنويُّ كالهداية والتوفيق والإلهام، والنبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في حياته لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا كما أمره الله تعالى أن يقول: ﴿قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188]، فكيف يملك لغيره النفع والضرَّ؟ هذا في حياته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فكيف بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى؟

    وقد كان عليه الصلاة والسلام يجهِّز الجيوشَ ويبعث السرايا إلى المعارك والغزوات وما عَلَّم أحدًا منهم أن يسألوه المددَ والإعانة إذا ادلهمَّت بهم الخطوب وحاصرتهم الجيوش، ولم يفعل ذلك أحدٌ من صحابته رضي الله عنهم في حياته ولا بعد مماته، بل كانت تصيبهم الشدائد والسنون فلا يلجأون إلاَّ إلى الله العليِّ العظيم، لعِلمهم أن لا ملجأ من الله إلاَّ إليه، فعن أنسٍ رضي الله عنه: «أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعبَّاس بن عبد المطَّلب. قال: اللهمَّ إنَّا كُنَّا نتوسَّل إليك بنبيِّنا فتسقينا، وإنَّا نتوسَّل إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقنا، قال: فيُسْقَوْن»(38)، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يطلبون من الله السقيا بدعاء النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في حياته، أي: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يدعو وهم يؤمِّنون على دعائه فيسقيهم الله تعالى، وبعد وفاته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كانوا يقدِّمون العبَّاسَ رضي الله عنه يدعو الله ليسقيَهم، فلو كان النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مددَ أُمَّته بعد وفاته فكيف يتركونه رضوان الله عليهم ويستسقون بعمِّه، وهم أقرب الناس إلى قبره؟ وهل جهل الصحابة رتبةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، أم أنهم أساؤوا الأدب معه كما يدَّعيه التجانيون؟ حاشاهم رضي الله عنهم وهُم أعظم الناس أدبًا مع الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم؟ وكيف يتجاسر التجانيون بحكمهم الجائر: «ويُخشى عليه أن يموت كافرًا إن لم يتب من هذا الاعتقاد»، وقد تبيَّن أنَّ خِيرة القرون على هذا المعتقد السليم؟

    الفصل الرابع: عقيدة التجانيين في اليوم الآخر

    اعتقادهم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ضَمِن للتجاني وأتباعه الجنَّة:

    زعم التجاني أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ضمن له ولأتباعه دخولَ الجنَّة بغير حسابٍ ولا عقابٍ، ولو عملوا من الذنوب والمعاصي ما عملوا، وهذه بعض النصوص التي وردت في كتب التجانيِّين توضِّح ذلك:

    - قال مؤلِّف «جواهر المعاني»: «اطَّلعت على ما رسمُه وخطُّه ونصُّه: ..أسأل من فضل سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يضمن لي دخول الجنَّة بلا حسابٍ ولا عقابٍ في أوَّل الزمرة الأولى، أنا وكلُّ أبٍ وأمٍّ ولدوني من أبويَّ إلى أوَّل أبٍ وأمٍّ لي في الإسلام من جهة أبي ومن جهة أمِّي، من كلِّ ما تناسل منهم من وقتهم إلى أن يموت سيِّدنا عيسى بن مريم من جميع الذكور والإناث.. وكلُّ من أحسن إليَّ بإحسانٍ حِسِّيٍّ أو معنويٍّ من مثقال ذرَّةٍ فأكثر.. وكلُّ من لم يُعَادِني من جميع هؤلاء، وأمَّا من عاداني وأبغضني فلا، وكلُّ من والاني واتَّخذني شيخًا أو أخذ عنِّي ذِكرًا، وكلُّ من خدمني أو قضى لي حاجةً.. وآباؤهم وأمَّهاتهم وأولادهم وبناتهم وأزواجهم.. يضمن لي سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولجميع هؤلاء أن نموت وكلُّ حيٍّ منهم على الإيمان والإسلام»، ثمَّ قال: «كلُّ ما في هذا الكتاب ضمنتُه لك ضمانةً لا تتخلَّف عنك وعنهم أبدًا إلى أن تكون أنت وجميع من ذكرت في جواري في عليِّين، وضمنتُ لك جميعَ ما طلبتَه منَّا ضمانًا لا يُخْلَف عليك الوعدُ فيها، والسلام»، ثمَّ قال: «وكلُّ هذا واقعٌ يقظةً لا منامًا»(39).

    - ونقل مؤلِّف كتاب «رماح حزب الرحيم» عن التجاني قوله: «..وليس لأحدٍ من الرجال أن يُدخل كافَّةَ أصحابه الجنَّةَ بغير حسابٍ ولا عقابٍ ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلاَّ أنا وحدي، ووراء ذلك ما ذكر لي فيهم وضمنه لهم صلَّى الله عليه وسلَّم أمرٌ لا يحِلُّ ذكرُه ولا يُرى ولا يُعْرَف إلاَّ في الآخرة»(40).

    شبهاتهم:

    ليس للتجانيِّين ما يستندون إليه في زعمهم ضمانَ الجنَّة لأتباعهم إلاَّ نصوصٌ عامَّةٌ أنزلوها بأهوائهم على شيخ الطريقة وأتباعه، ومن ذلك:

    حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ(41)، وفي بعض روايات الحديث أنَّ مع السبعين ألفًا زيادةً كما في حديث أبي أمامة مرفوعًا: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاَ عَذَابَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلاَثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي»(42)، قال محمَّد الحافظ التجاني: «وفي حثيةٍ من حثيات الحقِّ يدخل التجاني وأحبابه وأصحابه وأكثر منهم، اللهمَّ إلاَّ إن اجترأ مفترٍ على الله فحدَّها بحدٍّ أو قدَّرها بقدرٍ لا دليل فيه إلاَّ رأيٌ سخيفٌ ما أنزل الله به من سلطانٍ»(43).

    - وبحديث: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ»(44). قال محمَّد الحافظ التجاني: «وقد سأل ذلك لنفسه وأحبابه، فهل اطَّلعتَ على أنَّ الله لم يستجب له»(45).

    الجواب:

    إنَّ الاستدلال بحديث السبعين ألفًا في غير محلِّه، إذ غاية ما يدلُّ عليه أنَّ أناسًا من أُمَّة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ ولا عذابٍ، وليس فيه دليلٌ على ضمان الجنَّة لأحدٍ مُعيَّنٍ، والنبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لمَّا سئل عن السبعين ألفًا أجاب صلَّى الله عليه وسلَّم بذكر صفاتهم وأنهم: «لاَ يَكْتَوُونَ وَلاَ يَسْتَرْقُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَلُونَ»، ولم يخصِّص ذواتِهم وأسماءَهم، فمِن أين للتجانيين أنهم هم قطعًا؟ أو أنهم من حثيات الله سبحانه وتعالى؟ اللهمَّ إلاَّ التألِّي على الله بغير علمٍ.

    وأمَّا حديث سؤال الله الفردوس فليس فيه أيُّ دلالةٍ على ما أراد التجاني من ضمان الفردوس له ولأتباعه، وإنما فيه حثُّ المكلَّفين على سؤال ذلك طمعًا في فضل الله ورضوانه، والتجاني لم يقتصر على الدعاء فقط بل تعدَّى إلى الضمان، وما استفهم به بقوله: «فهل اطَّلعت أنت على أنَّ الله لم يستجب له» يقابله استفهامٌ أقوى منه، «وهل اطَّلعتَ على أنَّ الله استجاب دعاءه» فإنَّ إدخال العباد الجنَّةَ من خصائص الربوبية لا يشارك فيها ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ، يُدْخِل سبحانه من يشاء الجنَّةَ بفضله، ويمنعها من يشاء بعدله، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصِّلت: 46]، والنبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لم يضمن لأصحابه ما ضمن التجاني لأتباعه، وهم الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيِّه، وبذلوا النفس والنفيس، وهجروا الأوطان والخلاَّن في سبيل الله، بل كان صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يرجو لهم الخيرَ ويحثُّهم على العمل الصالح والإكثار منه ليكون سببًا في دخولهم الجنَّةَ كما في حديث ربيعة بن كعبٍ الأسلميِّ رضي الله عنه قال: كنتُ أبيت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأتيتُه بوضوئه وحاجته فقال لي: «سَلْ»فقلت: أسألك مرافقتك في الجنَّة، قال: «أَوَغَيْرَ ذَلِكَ» قلت: هو ذاك، قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»(46).

    قال المناوي: «وفيه أنَّ مرافقة المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم في الجنَّة من الدرجات العالية التي لا مطمع في الوصول إليها إلاَّ بحضور الزلفى عند الله في الدنيا بكثرة السجود، انظر أيُّها المتأمِّل في هذه الشريطة وارتباط القرينتين لتقف على سرٍّ دقيقٍ، فإنَّ من أراد مرافقة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لا يناله إلاَّ بالقرب من الله، ومن رام قرب الله لم ينله إلاَّ بقرب حبيبه، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران: 31] فأوقع متابعة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بين المحبَّتين، وذلك أنَّ محبَّة العبد منوطةٌ بمتابعته، ومحبَّة الله العبدَ متوقِّفةٌ على متابعة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم»(47).

    وقد تجاسر التجاني وضمن الجنَّةَ لمن اتَّبعه ولو بلغوا من المعاصي ما بلغوا وعملوا من الذنوب ما عملوا، وادَّعى أنها خصيصةٌ له وحده دون سائر عباد الله، وهو بذلك يدَّعي لنفسه من المراتب ما هو أعلى من مرتبة الأنبياء -وكفى بهذا ضلالاً- وأنه أوتي ما لم يُؤتَه أولو العزم من الرسل، فإنَّ موسى عليه السلام الذي وصفه الله بقوله: ﴿وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب : 69] امتنع أن يضمن لعجوز بني إسرائيل ما ليس له به أمرٌ حتى أوحى الله إليه به، ففي الحديث أنَّ «موسى عليه السلام لمَّا سار ببني إسرائيل من مصر ضلُّوا الطريق فقال: ما هذا ؟ فقال علماؤهم: إنَّ يوسف عليه السلام لمَّا حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قال: عجوزٌ من بني إسرائيل، فبعث إليها فأتته فقال: دُلِّيني على قبر يوسف، قالت: حتى تعطيَني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أكون معك في الجنَّة، فكره أن يعطيَها ذلك فأوحى الله إليه: أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرةٍ موضعِ مستنقعِ ماءٍ فقالت: أَنْضِبوا هذا الماء، فأنضبوه فقالت: احتفروا، فاحتفروا فاستخرجوا عظام يوسف فلمَّا أقَلُّوها إلى الأرض وإذا الطريق مثلُ ضوء النهار»(48)، ورسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صاحب الشفاعة العظمى صرَّح أنه لا يُغني عن قرابته من الله شيئًا إذا لم يزكُّوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم حين أنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»(49).

    وصرَّح صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه لا يعلم ما يجازى به أصحابه رضوان الله عليهم، فقد روى البخاري(50): «أنَّ أمَّ العلاء امرأةً من نسائهم قد بايعت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخبرته أنَّ عثمان بنَ مظعونٍ طار سهمه في السكنى حين أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين، قالت أمُّ العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعونٍ فاشتكى فمرَّضناه حتى إذا توفِّي وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال لي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ». فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللهِ اليَقِينُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللهِ مَا أَدْرِي -وَأَنَا رَسُولُ اللهِ- مَا يُفْعَلُ بِهِ» قالت: فوالله لا أزكِّي أحدًا بعده أبدًا. وأحزنني ذلك. قالت: فنمتُ فأريت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبرته فقال: «ذَلِكَ عَمَلُهُ».

    فأين هذا من ضمان التجاني لأصحابه الجنَّةَ شريطةَ أن لا يصدر منهم سبٌّ ولا بغضٌ ولا عداوةٌ للطريقة وشيخها؟

    وازداد تطاوُل التجاني بُعدًا حين ادَّعى أنَّ «من أخذ الوِرْدَ المعلوم الذي هو لازِمُ الطريق أو عمَّن أذنته يدخل الجنَّة هو ووالداه وأزواجه وذرِّيَّته المنفصلة عنه لا الحَفَدة بلا حسابٍ ولا عقابٍ، بشرط ألاَّ يصدر منهم سبٌّ ولا بغضٌ ولا عداوةٌ، وبدوام محبَّة الشيخ بلا انقطاعٍ إلى الممات..»(51).

    وادِّعاؤه هذا يدلُّ على أنَّ قراءة الورد أفضل من قراءة القرآن، ذلك أنَّ هذا المقام الذي ادَّعاه التجاني لقارئ الورد لم يحصل لحاملي القرآن، بل دلَّ الكتاب والسنَّة على أنَّ كثيرًا من حَمَلة القرآن يدخلون النار، بل إنَّ بعض حملة القرآن من أوَّل مَن تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ»(52) فهذا قارئٌ للقرآن وهو مِن أوَّل من تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة لكونه كان مرائيًا بقراءته والعياذ بالله، أمَّا قارئ الورد التجاني فإنه يدخل الجنَّةَ بلا حسابٍ ولا عقابٍ ولو عمل من المعاصي ما عمل بشرط ألاَّ يصدر منه سبٌّ ولا بغضٌ بجانب الشيخ!!، نعوذ بالله من الخذلان.

    وفي قوله هذا تشجيعٌ على مقارفة المعاصي والذنوب، لأنَّ من ضمن له شيخه دخول الجنَّة ولو عمل ما عمل لا يمنعه من اقتراف السيِّئات مانعٌ، وهذا مناقضٌ لِما جاءت به الشريعة الإسلامية من أمر الناس بالطاعات ونهيهم عن المعاصي ليكونوا متعبِّدين لله بالخوف والرجاء.

    اعتقادهم أنَّ التجاني ضمن الجنَّة لمن رآه:

    ورد هذا القول في كثيرٍ من كتب التجانية القديمة والحديثة، وفيما يلي بعضٌ منها:

    - ذكر مؤلِّف «جواهر المعاني» عن التجاني أنه قال: «..من حصل له النظر فينا يوم الجمعة أو الإثنين يدخل الجنَّة بغير حسابٍ ولا عقابٍ إن لم يصدر منه سبٌّ في جانبنا ولا بغضٌ ولا إذايةٌ، ومن حصل له النظر في هذين اليومين فهو من الآمنين إن مات على الإيمان، وإن سبق أنه يحصل له العذاب في الآخرة فلا يموت إلاَّ كافرًا، فهذا ما يمكن إعلامكم به في هذا الوقت، وفي وقتٍ آخر يفعل الله ما يشاء»(53).

    والتجانيون يؤمنون بذلك ويصدِّقونه:

    - قال مؤلِّف كتاب «رماح الحزب الرحيم»: «..رأيت شيخنا التجاني رضي الله عنه وأرضاه وعنَّا به في واقعةٍ من الوقائع وبيده حُلَّةٌ من نورٍ وقال لي رضي الله عنه وأرضاه وعنَّا به: من رأى هذه الحُلَّةَ دخل الجنة، ثمَّ ألبسني إيَّاها رضي الله عنه»(54).

    - وقال مؤلِّف «بغية المستفيد»: «ورأيت في كلام بعض من كان مشارًا إليه بالفتح من الأصحاب ما يشير إلى أنَّ المختصَّ برائيه في اليومين هو السعادة التي لا شقاوة بعدها، يعني أنه لا يراه في هذين اليومين إلاَّ من سبق في علم الله تعالى أن يكون سعيدًا، فيدخل الكفَّار في هذا الخطاب، وينسحب عليهم الحكم في هذا المقام بفضل الملك الوهَّاب، فيقال: لا يراه في هذين اليومين إلاَّ من يسبق في علم الله تعالى أنه يُختم له بالسعادة كائنًا من كان، فإذا رآه الكافر في أحد هذين اليومين خُتم له بالإيمان وعليه فتختصُّ الرؤية المطلقة في كلِّ يومٍ بمن كان مسلمًا، سواءٌ كان من الأصحاب أم لا حسبما هو مصرَّحٌ به في «الجواهر»، وهذه المقيَّدة باليومين بما يشمل كلَّ من رآه ولو كان كافرًا»(55).

    شبهتهم:

    يستدلُّون على أنَّ من رأى شيخهم دخل الجنَّةَ بقول النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لاَ تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي».

    قال محمَّد الحافظ: «وقد كان السلف يحملونه على ظاهره ويرجون ذلك الفضل، قال طلحة: «فقد رأيت جابرًا، وقال موسى: فقد رأيت طلحة، قال يحيى: وقال لي موسى: وقد رأيتني ونحن نرجو الله» أه، ونحن نرجو الله معشر التجانيين، وصحَّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِي» فمن رآه في المنام فقد رآه»(56).

    الجواب:

    الحديث المستدَلُّ به أخرجه الترمذيُّ في «سننه» كتاب المناقب، باب ما جاء في فضل من رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصَحِبَه رقم (3858)، وفي ثبوته نظرٌ، قال الترمذيُّ عقبه: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلاَّ من حديث موسى بن إبراهيم الأنصاريِّ» وموسى بن إبراهيم ذكره ابن حبَّان في «الثقات» وقال عنه: «كان يخطئ»(57).

    وقد بيَّن وجهَ الدلالة من الحديث بجعل دعواهم مجرَّدَ رجاءٍ في قوله: «ونحن نرجو الله معشر التجانيين..» ولو كان الأمر كما ادَّعى لهان الخطب لأنَّ كلَّ مسلمٍ يرجو اللهَ أن يدخله الجنَّةَ ويُبعِّده عن النار، ولكنَّ الأمر أعظم ممَّا ادَّعاه لأنَّ النصوص في كتبهم صريحةٌ بأنَّ من رأى التجانيَّ دخل الجنَّةَ بلا حسابٍ ولا عقابٍ.

    وأمَّا قوله: «وصحَّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِي»، فمن رآه في المنام فقد رآه» فهذا صرفٌ للرؤية المذكورة في الحديث بأنها كما تكون للصحابة والتابعين في اليقظة فإنها تكون لمن بعدهم في المنام، وهذا التفسير باطلٌ من وجهين:

    أ- أنَّ هذا التفسير صرفٌ للحديث عن معناه المتبادر للذهن إلى معنًى بعيدٍ لا دليل عليه، فهو تأويلٌ بعيدٌ.

    ب- أنَّ الرؤية المذكورة في الحديث هي رؤية اليقظة، ويدلُّ على ذلك تفسير طلحة بن خراشٍ لها وهو من التابعين، وقد بوَّب الترمذيُّ للحديث بقوله: «باب ما جاء في فضل من رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصَحِبَه» وإطلاق الرؤية ينصرف إلى الرؤية البصرية، إذ تحتاج الرؤية المنامية إلى تقييدٍ كقوله مثلاً: «باب فضل من رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصَحِبَه في المنام».

    ج- وعلى فرض صحَّة الحديث فهو خاصٌّ برؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وصحابته دون سائر المسلمين، وهذا ما فهمه الترمذيُّ راويه من تبويبه له، وضمن هذا الفهم يقول الشيخ محمَّد صدِّيق الهندي: «ظاهر الحديث تخصيص الصحابة والتابعين بهذه البشارة، وليس في لفظه ما يدلُّ على شمول سائر المسلمين إلى يوم الدين، بل قصر تَبَعُ التابعين أيضًا عن الدخول فيه، والحديث أفاد أنَّ البشارة خاصَّةٌ بمن رأى الصحابيَّ، فمن لم يره وكان في زمنه فالحديث لا يشمله»(58)، فعلى أيِّ أساسٍ طبَّق التجانيون معنى الحديث على شيخهم؟ وعلى التسليم بعمومه فبأي مخصِّصٍ خصَّص التجانيون الحديثَ برؤية شيخهم دون سائر المسلمين؟ اللهمَّ إلاَّ الهوى والتعصُّب، والله المستعان.

    بل إنَّ الحديث مقيَّدٌ بمن رآه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ومات على الإسلام لأنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أخبر أنَّ قومًا يرتدُّون من بعده فيُذْهَب بهم إلى النار، فعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً» ثُمَّ قَرَأَ: «﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104] وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ -إلى قوله- الحَكِِيمُ﴾[المائدة: 117]»(59).

    وعن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فُلاَنٌ شَهِيدٌ حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلاَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا -أَوْ عَبَاءَةٍ-» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا ابْنَ الخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ المُؤْمِنُونَ». قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ: «أَلاَ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ المُؤْمِنُونَ»(60).

    فالحديثان صريحان في أنَّ مجرَّد رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم غير كافيةٍ لدخول الجنَّة بخلاف عقيدة التجانيين الباطلة في زعمهم أنَّ من رأى التجاني دخل الجنَّةَ ولو كان كافرًا فإنه يُخْتَم له بالإيمان، ومِن لازم هذا الباطل أنَّ التجاني أفضلُ من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، لأنَّ هذه الكرامة المزعومة لم ينلها النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ولا أحدٌ من الأنبياء قبله. وربُّنا سبحانه وتعالى جعل الأعمال الصالحة سببًا لدخول الجنَّة في مثل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72] ولم يَرِدْ في كتابٍ ولا سنَّةٍ صحيحةٍ أنَّ رؤية النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وحدها كافيةٌ لدخول المشركين الجنَّةَ، وهم الذين كانوا يرونه صباحَ مساءَ ولم تنفعهم في شيءٍ، بل إنَّ عمَّه أبا طالبٍ كان من المدافعين عنه ولم يشفع له دفاعه لإدخاله الجنَّةَ، بل إنَّ استغفار النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم للمشركين لا ينفعهم كما جاء صريحًا في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 80] فكيف تنفعهم أي: المشركين رؤيةُ التجاني؟ وتجعلهم ممَّن سبق في علم الله تعالى أن يكون سعيدًا؟!!

    الفصل الخامس: الأدعية والأذكار عند التجانيين

    للتجانيين مجموعةٌ كبيرةٌ من الأوراد والأذكار، منها ما هو لازمٌ في الطريقة، ومنها ما هو غير لازمٍ، فمن الأوراد اللازمة:

    - الورد: ويقرأ صبحًا ومساءً وهو:

    1- أستغفر الله (مائة مرَّةٍ)

    2- الصلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بأيِّ صيغةٍ (مائة مرَّةٍ)

    3- الكلمة المشرَّفة: لا إله إلاَّ الله (مائة مرَّةٍ)، ولا بدَّ من الترتيب في الأوراد(61)

    - الوظيفة: وتُقْرَأ في اليوم مرَّةً إمَّا صباحًا ,وإمَّا مساءً، فإن قُرئت في الوقتين كان أفضل، وهي:

    1- أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم. (ثلاثين مرَّةً).

    2- ثمَّ صلاة «الفاتح لِما أُغلق». (خمسين مرَّةً).

    3- ثمَّ لا إله إلا الله. (مائة مرَّةٍ).

    4- ثمَّ «جوهرة الكمال» (اثني عشرة مرَّةً)، وصيغتها: «اللهمَّ صلِّ وسلِّم على عين الرحمة الربَّانية والياقوتة المتحقِّقة الحائطة بمركز الفهوم والمعاني ونور الأكوان المتكوِّنة، الآدميِّ صاحب الخلق الراني، البرق الأسطع بمزون الأرياح المائلة لكلِّ متعرِّضٍ من البحور والأواني، ونورِك اللامع الذي ملأتَ به كونك الحائط بأمكنة المكاني، اللهمَّ صلِّ وسلِّم على عين الحقِّ التي تتجلَّى منها عروش الحقائق، عين المعارف الأقوم صراطك التامِّ الأسقم، اللهمَّ صلِّ على طلعة الحقِّ بالحقِّ الكنز الأعظم إفاضتك منك إليك إحاطة النور المطلسم صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى آله صلاةً تعرِّفنا بها إيَّاه» ومن شروط قراءة «جوهرة الكمال» عندهم:

    - أنها لا تُقرأ إلاَّ بالطهارة المائية دون الترابية، لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم والخلفاء الأربعة -على زعمهم- يحضرون عند قراءة السابعة منها. وينوب عن «جوهرة الكمال» عشرون من صلاة «الفاتح لِما أُغلق» لغير المتوضِّئ.

    - وجود الفراش الطاهر الذي يَسَعُ ستَّةَ أشخاصٍ، لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يحضر والخلفاء الأربعة(62)

    شبهتهم في الإلزام بأذكارهم:

    الأولى: قال محمَّد الحافظ التجاني: «أذكار أهل الطريق مرجعها الكتاب والسنَّة، هل «لا إله إلاَّ الله» والاستغفار والصلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لم يشرعها الله ولا رسوله ولا أصل لها في شرع الله؟ وأيًّا كانت الصفة أو الهيئة التي يذكر بها الشخص، والله تعالى يقول: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: اذكروا اللهَ على سائر أحيانكم، وفي الحديث: «أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يذكر الله على كلِّ أحيانه»»(63).

    الثانية: استدلُّوا على تحديد الأوقات المخصوصة والعدد المخصوص بما ثبت عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه قال: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»(64) قال محمَّد الحافظ: «فالمداومة على طاعةٍ محدودةٍ هو السنَّة الصحيحة التي لا مطعن فيها عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وللناس أن يختاروا ما يختارون من العبادة يداومون عليه»(65).

    الجواب:

    إنَّ الإنكار على التجانيين فيما التزموه من الأذكار والأدعية ليس منصبًّا على الاستغفار وذكر الله والصلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في ذاتها إذا لم تحتوِ على ألفاظٍ ممنوعةٍ شرعًا، وإنما يتوجَّه الإنكار على الهيئات والصفات والشروط التي يشترطها القوم والإلزام بها، وهذا النوع من البدع يصطلح عليه العلماء اسم: البدعة الإضافية، وأحسن من تناولها بالتأصيل والشرح أبو إسحاق الشاطبيُّ -رحمه الله- إذ يقول: «وأمَّا البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلَّقٌ فلا تكون من تلك الجهة بدعةً، والأخرى ليس لها متعلَّقٌ إلاَّ مثل ما للبدعة الحقيقية، فلمَّا كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلَّص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي «البدعة الإضافية» أي: أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنَّةٌ لأنها مستندةٌ إلى دليلٍ وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعةٌ لأنها مستندةٌ إلى شبهةٍ لا إلى دليلٍ أو غيرُ مستندةٍ إلى شيءٍ، والفرق بينهما من جهة المعنى أنَّ الدليل عليها من جهة الأصل قائمٌ ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجةٌ إليه، لأنَّ الغالب وقوعها في التعبُّديَّات لا في العاديَّات المحضة»(66).

    فما له أصلٌ شرعيٌّ من أذكار التجانيين هو من هذا القبيل، إذ أصل الذكر مشروعٌ في الإسلام، والكيفية التي يلتزمونها لا أصل لها شرعًا، فهي بهذا الاعتبار بدعةٌ محرَّمةٌ.

    قال الشيخ علي محفوظ: «وإنَّ صاحب البدعة الإضافية يتقرَّب إلى الله تعالى بمشروعٍ وغير مشروعٍ، والتقرُّب يجب أن يكون بمحض المشروع، فكما يجب أن يكون العمل مشروعًا باعتبار ذاته يجب أن يكون مشروعًا باعتبار كيفيته»(67).

    والمنقول عن الصحابة إنكار الهيئات المبتدعة في الأذكار فقد ثبت عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه أنه خرج على حلقاتٍ في المسجد وفيهم رجلٌ يقول: كبِّروا الله مائةً، فيكبِّرون، وسبِّحوا الله مائةً فيسبِّحون، فقال ابن مسعودٍ: «فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسَرَعَ هَلَكَتَكُمْ، هَؤُلاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تُبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ أَوْ مُفْتَتِحُو بَابَ ضَلالَةٍ. قَالُوا: وَاللهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الخَيْرَ. قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ»(68). فأنكر -رضي الله عنه- عليهم هذه البدعة وهي الذكر الجماعي بصوتٍ واحدٍ، وإن كان استغفارُهم وتسبيحُهم من حيث أصله مشروعًا. ومن هذا القبيل ما يفعله التجانيون في أذكارهم.

    وأمَّا استدلالهم بحديث «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» ففي غير محلِّه، ذلك أنَّ المداومة على نافلةٍ محدَّدةٍ من أحبِّ الأعمال، وهذا لا منازِعَ فيه، وإنما البحث في اتِّخاذها شعارًا لطائفةٍ معيَّنةٍ بصفةٍ وشروطٍ مخصوصةٍ خارجةٍ عن الشريعة الإسلامية ككونها لا تُقرأ إلاَّ بطهارةٍ مائيةٍ أو بإذن الشيخ، تستقلُّ بها عن سائر المسلمين، وهذا يعني تسلسل الإذن حتى يصل إلى أحمد التجاني الذي تلقَّاه عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مشافهةً -كما يزعم- فهي بهذا تتَّخذ صفة التشريع، والعبادات مبناها على التوقيف.

    وإذا سئل التجانيون عن دليل تخصيصهم لأذكارهم وأوقاتها وهيئاتها فلا يجدون إلاَّ جوابَ التجاني لمَّا سئل عن اختصاص «جوهرة الكمال» بالطهارة المائية دون الترابية قال: «..لو كان للعقل مجالٌ في ذلك وأمكن القياس على ما هنالك لقيل: إنَّ الهيللة يوم الجمعة كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يحضرها، كذلك فهي أيضًا لا تُقرأ إلاَّ بالطهارة المائية دون الترابية، كالجوهرة، لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يحضرها، لكن ما لنا إلاَّ اتِّباع أحمد، يَسَعُنا ما يَسَعُه، وما أمرنا به نتَّبعه، وغيره لا نبتدعه، وافعل ما أُمِرْتَ به تعبُّدًا معتقِدا لا منتقِدًا وإيَّاك و«لِم» فتقع في الردى»(69)

    فيُفهم من جوابه أنَّ أذكارهم وشروطها توقيفيةٌ، والحقُّ خلاف ذلك فإنَّ أكثر أوراد التجانية وما تعلَّق بها مخترَعٌ مبتدَعٌ، فمِن أين لهم أنَّ «جوهرة الكمال» لا تُقرأ إلاَّ بطهارةٍ مائيةٍ، وأنه لا بدَّ من وجود فراشٍ عند قراءتها يتَّسع لستَّة أشخاصٍ؟ وأنَّ سائر الأذكار والأوراد لا بدَّ فيها من إذن الشيخ أو نائبه؟ ومِن أين لهم ترتيب العقوبة على المفرِّط في أذكارهم كما جاء في «جواهر المعاني»(70): «ومن أخذ الورد ثمَّ تركه تركًا كلِّيًّا أو متهاونًا به حلَّت به العقوبة ويأتيه الهلاك، وهذا إخبارٌ من سيِّد الوجود صلَّى الله عليه وسلَّم لشيخنا رضي الله عنه، ونصُّه صلَّى الله عليه وسلَّم: وكلُّ من أخذ عليك ذكرًا قُل له في وصيَّتك له: ذِكرُنا هذا عظيمٌ وإيَّاكم والتفريط فيه وإيَّاكم وتركه، لأنَّ الصلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عظيمةٌ وهي باب الكمال وهي المدخل الأعظم، ومن تركها لا يجد بابًا من غيرها يدخل عليه»، وكلُّ هذه الأقوال لم يَسبقهم إليها أحدٌ وليس لها أصلٌ في شريعة الإسلام.

    خلاصة عقائد التجانيين:

    إنَّ ما تقدَّم عرضه من معتقدات التجانية قليلٌ من كثيرٍ من البدع المنكرة التي يتربَّى عليها أتباع التجانيين ويعقدون عليها الولاء والبراء، ولا يحتاج البصير إلى كبير علمٍ ليدرك أنَّ من يعتقد عقيدتهم على خطرٍ عظيمٍ، ومهوًى سحيقٍ، ويمكن تلخيص مباني عقائدهم في النقاط التالية:

    1- الخرافات والادِّعاءات العارية عن الدليل كقول التجاني «إنَّ الفيوض التي تفيض من ذات سيِّد الوجود صلَّى الله عليه وسلَّم تتلقَّاها ذوات الأنبياء، وكلُّ ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقَّاه ذاتي، ومنِّي يتفرَّق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور... وقال: لا يتلقَّى وليٌّ فيضًا من الله تعالى إلاَّ بوساطته رضي الله عنه من حيث لا يشعر به، ومددُه الخاصُّ به إنما يتلقَّاه من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم»(71).

    2- الغُلُوُّ الفظيع في زعيم الطريقة إلى حدِّ إضفاء خصائص الربوبية عليه كادِّعائهم معرفتَه الغيبَ(72).

    3- القولُ على الله بلا علم، كادِّعائهم ضمانَ الجنَّة لأتباعهم بغير حسابٍ ولا عقابٍ، ولو عملوا من الذنوب والمعاصي ما عملوا. وكقول التجاني نفسه: «يوضع لي منبرٌ من نورٍ يوم القيامة، وينادي مناديَّ حتى يسمعه كلُّ من في الموقف: يا أهل الموقف هذا إمامكم الذي كنتم تستمدُّون منه من غير شعوركم»(73)

    4- سوء الأدب مع الله فضلاً عن الأنبياء والأولياء، ومثاله قول التجاني: «قدماي على رقبة كلِّ وليٍّ، فلمَّا قيل له: إنَّ عبد القادر الجيلاني قال -فيما زعموا-: قدمي على رقبة كلِّ وليٍّ، قال: صدق ولكن في عصره أمَّا أنا فقدماي على رقبة كلِّ وليٍّ من آدم إلى النفخ في الصور، فلمَّا قيل له: أليس الله قادرًا على أن يُوجِد بعدك وليًّا فوق ذلك؟ قال: بلى، ولكن لا يفعل، كما أنه قادرٌ على أن يوجِد نبيًّا بعد محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكنَّه لا يفعل»(74)

    5- الكذبُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وهو في مذهبهم كثيرٌ، ومنه قول التجاني: «نهاني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن التوجُّه بالأسماء الحسنى، وأمرني بالتوجُّه بصلاة الفاتح»(75)، وهل يعتقد عاقلٌ سَلِم قلبه من الخرافات أن ينهى النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن شيءٍ أُمر بتبليغه كما في قوله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف : 180]

    6- اعتقادهم بأنَّ للتجانيين خصوصياتٍ ترفعهم عن مقام الناس يوم القيامة ومن ذلك: تخفيف سكرات الموت عنهم، وأنَّ الله يُظلِّهم في ظلِّ عرشه، وأنَّ لهم برزخًا يستظلُّون به وحدهم، وأنهم يكونون مع الآمنين عند باب الجنَّة حتى يدخلوها في الزمرة الأولى مع المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأصحابه المقرَّبين(76).

    7- تعاوُن التجانيين مع أعداء الأمَّة والإسلام من جيوش الاستعمار، يتجسَّسون لهم ويقاتلون إلى جانبهم، ويعدُّون ذلك شرفًا ويحتسبون الأجر عند الله تعالى، قال الشيخ محمَّد الكبير صاحب «السجَّادة التجانية الكبرى» وخليفة أحمد التجاني الأكبر في خطبةٍ ألقاها أمام رئيس البعثة العسكرية الفرنسية في مدينة «عين ماضي» بتاريخ 28 ذي الحجة 1350ه: «إنَّ الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا فرنسا مادِّيًّا ومعنويًّا وسياسيًّا، ولهذا فإنِّي أقول لا على سبيل المنِّ والافتخار ولكن على سبيل الاحتساب والشرف بالقيام بالواجب: إنَّ أجدادي قد أحسنوا صنعًا في انضمامهم إلى فرنسا قبل أن تصل إلى بلادنا وقبل أن تحتلَّ جيوشها الكرام ديارنا»(77).

    فهذه هي أهمُّ آثار التجانيين السيِّئة التي ورثها بعض أجيال هذه الأمَّة ساعدت على انتشار الوثنية والشرك المتمثِّل في بناء القباب وتشييد الأضرحة وصرف العبادات من نذرٍ ودعاءٍ واستغاثةٍ لأصحابها المدفونين، وتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، كما ساعدت على انتشار مختلف البدع والحوادث من الموالد البدعية وما يحدث فيها وفي غيرها من الخرافات والمنكرات، وانتشار الأذكار والأدعية والصلوات المحدثة التي كانت سببًا رئيسًا في إعراض الناس عن تلاوة القرآن وذكر الله بالطرق الصحيحة وفي التقاعس عن أداء العبادات والتهاون فيها اتِّكالاً على الأجر الوفير الذي يحصل بأقلِّ عملٍ مداوَمٍ عليه على ما قرَّره أصحاب هذه الطريقة المثخنة بالخرافات والبدع.

    هذا، وإنَّ الولاية لا تُنال بمثل هذه المخالفات والطامَّات، وإن ظهرت على يد من ادَّعاها خوارق وعجائب، قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: «قلت للشافعيِّ: إنَّ صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغترُّوا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنَّة؟ فقال الشافعيُّ: قصَّر الليث -رحمه الله- بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغترُّوا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب»(78).

    وإنما تُنال الولاية باتِّباع شرع الله تعالى اعتقادًا وقولاً وعملاً، قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 63] وقال أيضًا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]، ولا تعني الولاية أن يجعل من نالها في مرتبة النبيِّ المرسَل الذي يصدق فيما أخبر ويطاع فيما أمر، قال ابن تيمية -رحمه الله-: « وكثيرٌ من الناس يغلط في هذا الموضع، فيظنُّ في شخصٍ أنه وليٌّ لله، ويظنُّ أنَّ وليَّ الله يُقْبَل منه كلُّ ما يقوله، ويُسَلَّم إليه كلُّ ما يقوله ويُسَلَّم إليه كلُّ ما يفعله وإن خالف الكتاب والسنَّة، فيوافق ذلك الشخص له، ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه، وبين أهل الجنَّة وأهل النار، وبين السعداء والأشقياء، فمن اتَّبعه كان من أولياء الله المتَّقين وجنده المفلحين وعباده الصالحين، ومن لم يتَّبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين، فتجرُّه مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أوَّلاً إلى البدعة والضلال، وآخرًا إلى الكفر والنفاق، ويكون له نصيبٌ من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان: 27- 29] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ. رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب: 66-68]»(79).

    ولا يَسَعُنا أخيرًا إلاَّ أن نذكِّر أنفسَنا وإخواننا القرَّاء أنه لا نجاة للأمَّة إلاَّ بالاعتصام بالكتاب والسنَّة على فهم القرون المفضَّلة المزكَّاة في عقيدتها وسلوكها، ذلك هو الكفيل بتوحيد الأمَّة ورفع الخلاف والشقاق بينها. قال عبد الحميد بن باديس -رحمه الله- «ولا يقف بالجميع عند حدٍّ واحدٍ إلاَّ دليلٌ واحدٌ، وهو التزام الصحيح الصريح ممَّا كان عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وكان عليه أصحابه، فكلُّ قولٍ يُراد به إثبات معنًى دينيٍّ لم نجده في كلام أهل ذلك العصر نكون في سَعَةٍ من ردِّه وطرحه وإماتته وإعدامه كما وَسِعَهم عدمُه، ولا وسَّع الله على من لم يَسَعْه ما وَسِعَهم، وكذلك كلُّ عقيدةٍ، فلا نقول في ديننا إلاَّ ما قالوا، ولا نعتقد فيه إلاَّ ما اعتقدوا، ولا نعمل فيه إلاَّ ما عملوا، ونسكت عمَّا سكتوا فيه... ونرى كلَّ فتنةٍ كانت بين الفرق الإسلامية ناشئةً عن مخالفة هذا الأصل»(80).

    نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يريَنا الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتِّباعه ويريَنا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

    الجزائر في: 18 جمادى الثانية 1432ه
    الموافق ل: 21 مــايــو 2011م

    - عاين الجزء الأول -



    (1) (1/ 129).

    (2) (1/ 199).

    (3) (79-80).

    (4) (1/ 47).

    (5) أخرجه البخاري في «التعبير» (3/ 449) باب من رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام، ومسلم (2/ 1077) في «الرؤيا» رقم (2266).

    (6) انظر: «رماح حزب الرحيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري (1/ 205).

    (7) أخرجه مسلم في «الرؤيا» رقم (2266).

    (8) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (12/ 466).

    (9) المصدر نفسه.

    (10) المصدر نفسه.

    (11) «المفهم لِما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» للقرطبي (6/ 23).

    (12) «رماح الحزب الرحيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري (1/ 199)، «الجيش الكفيل بأخذ الثأر» (64، 65).

    (13) «بغية المستفيد» (79).

    (14) «جواهر المعاني» (1/ 55).

    (15) (1/ 104).

    (16) «جواهر المعاني» (1/ 140).

    (17) «الجيش الكفيل بأخذ الثأر» (110).

    (18) المصدر السابق.

    (19) «بغية المستفيد» لمحمَّد العربي السائح الشرقي (66).

    (20) «السلسلة الصحيحة» للألباني (6/ 2/ 865).

    (21) انظر: «صحيح البخاري» (105) كتاب «العلم» باب لِيُبلِّغ العلمَ الشاهدُ الغائبَ.

    (22) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (1/ 272).

    (23) «رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري الكدوي (1/ 265).

    (24) هي كنية التجاني، وسمَّوه بذلك لكثرة ما يفيضه عليهم من الخير كما يزعمون.

    (25) «الدرَّة الخريدة» لمحمَّد فتحا بن عبد الواحد السوسي (3/ 144).

    (26) «جواهر المعاني» (1/ 217).

    (27) أخرجه الترمذي في «الدعوات» باب (119). وقال «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ».

    (28) «الدرَّة الخريدة» (4/ 80).

    (29) «تفسير ابن كثير» (2/ 52).

    (30) «روح المعاني» للألوسي (6/ 124).

    (31) «قاعدةٌ جليلةٌ في التوسُّل والوسيلة» لابن تيمية (132)، وانظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (1/ 76).

    (32) «جواهر المعاني» (2/ 233).

    (33) أخرجه البخاري في «العلم» (1/ 26) باب من يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّهْه في الدين، ومسلم في «الزكاة» (1/ 459) رقم (1037)، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

    (34) «جواهر المعاني» (2/ 279).

    (35) نقلاً من «شرح صحيح مسلم» للنووي (14/ 96).

    (36) «الدرَّة الخريدة» (4/ 203).

    (37) أخرجه مسلم في «الوصيَّة» (2/ 770)، رقم (1631)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    (38) أخرجه البخاري في «الاستسقاء» باب سؤال الناس الإمامَ الاستسقاءَ إذا قحطوا (1/ 242).

    (39) «جواهر المعاني» (1/ 130-131).

    (40) «رماح حزب الرحيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري (2/ 143).

    (41) أخرجه البخاري في «الطبِّ» (3/ 156) باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتوِ، ومسلم في «الإيمان» (1/ 118) رقم (218)، من حديث عمران بن حصينٍ رضي الله عنهما.

    (42) أخرجه أحمد في «مسنده» (5/ 268)، والترمذي في «صفة القيامة والرقائق والورع» (2437)، والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (5/ 212).

    (43) «الانتصار في ردِّ الإنكار على الطريق» (22).

    (44) أخرجه البخاري في «الجهاد والسير» (2/ 38) باب درجات المجاهدين في سبيل الله، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    (45) «الانتصار في ردِّ الإنكار على الطريق» (23).

    (46) أخرجه مسلم في «الصلاة» (1/ 224) رقم (489).

    (47) «فيض القدير» للمناوي (4/ 334).

    (48) أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» (2/ 500)، والحاكم في «المستدرك» (2/ 624)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/ 622).

    (49) أخرجه البخاري في «الوصايا» (2/ 27) باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب.

    (50) كتاب «الشهادات» (1/ 653) باب القرعة في المشكلات.

    (51) «الدرَّة الخريدة» (4/ 26).

    (52) أخرجه مسلم في «الإمارة» (2/ 919) رقم (1905).

    (53) «جواهر المعاني» (2/ 180).

    (54) «رماح الحزب الرحيم» لعمر بن سعيد الفوتي الطوري (1/ 182).

    (55) «بغية المستفيد» لمحمَّد العربي السائح الشرقي (217).

    (56) «الانتصاف في ردِّ الإنكار على الطريق» (24).

    (57) «تهذيب التهذيب» لابن حجر (10/ 333). والحديث ضعَّفه الألباني في «ضعيف الجامع» رقم (6277).

    (58) «الدين الخالص» لصدِّيق حسن (3/ 520).

    (59) أخرجه البخاري في كتاب «الأنبياء» من صحيحه (2/ 177) باب قول الله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾.

    (60) أخرجه مسلم في «الإيمان» (1/ 63) رقم (114).

    (61) «أحزاب وأوراد التجاني» (8).

    (62) «أحزاب وأوراد التجاني» (8)، «الدرَّة الخريدة» (3/ 199).

    (63) رسالة «علماء تزكية النفس» (8-9).

    (64) أخرجه البخاري في «الرقاق» باب القصد والمداومة على العمل (6099)، ومسلم في «صلاة المسافرين وقصرها» رقم (783) من حديث عائشة رضي الله عنها.

    (65) رسالة «علماء تزكية النفس».

    (66) «الاعتصام» (1/ 286).

    (67) «الإبداع في مضارِّ الابتداع» (32).

    (68) أخرجه الدارمي (1/ 68)، وابن الجوزي في «تلبيس إبليس» (29). وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (5/ 11).

    (69) «الدرَّة الخريدة» (3/ 200).

    (70) (1/ 123).

    (71) «بغية المستفيد» لمحمَّد العربي السائح الشرقي (225):

    (72) يتوجَّه التجانيين إلى أوليائهم بالدعاء والاستغاثة باعتقاد والنفع والضرر فيهم وهي نتيجةٌ حتميةٌ مبنيَّةٌ على اعتقاد أنَّ لأوليائهم خصائص الربوبية ويعلمون الغيب.

    (73) «الإفادة الأحمدية» (74).

    (74) انظر: «الإفادة الأحمدية» (62).

    (75) «الإفادة الأحمدية» (57).

    (76) التجانية من «الموسوعة الميسرة» (1/ 283).

    (77) «تاريخ المغرب في القرن العشرين» لروم لاندو (143) نقلاً عن «مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية» لإدريس محمود إدريس (2/ 909).

    (78) انظر: «الإبانة» لابن بطَّة (2/ 534).

    (79) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (74).

    (80) «مجلَّة الشهاب» (5/ 570).



    المصدر: موقع الشيخ العلامة محمد علي فركوس - حفظه الله تعالى -

    www.ferkous.com

       طباعة 
     

     
     
    علي , التيجانيه , محمد , التيجانية , فركوس table
    التعليقات : تعليق
     

    « إضافة تعليق »

    اضافة تعليق
    اسمك
    ايميلك

    /500
    تعليقك
    4 + 5 = أدخل الكود

     
     
    table
    جديد المقالات
     

    جديد المقالات
    رزيق بن حامد القرشي - تراجم العلماء و طلاب العلم
    الحقوق المشتركة بين الزوجين - ركــــن الـمـقـالات

     
     
    عدد الزوار
    انت الزائر :2918786
    [يتصفح الموقع حالياً [ 216
    الاعضاء :0الزوار :216
    تفاصيل المتواجدون
    الرجاء ملاحظة أنك بحاجة إلى هذه البرامج

    Powered by: MktbaGold 6.5