أحكام زكاة الفطر

table
عرض المقال
 

 

أحكام زكاة الفطر

  • عدد الزيارات : 6520

  • تاريخ النشر : الخميس 25 شهر رمضان 1434هـ الموافق 1 أغسطس 2013م


  • خطبة بعنوان:

    أحكام زكاة الفطر

    للشيخ: عبدالقادر بن محمد الجنيد حفظه الله تعالى

    الخطبة الأولى: ــــــــــــــــ

    الحمد لله الجواد الكريم، الغني الحميد، الحكيم في أمره وشرعه، الذي فضل بعض الأوقات والأعمال على بعض، ليتكثر الموفق من عباده من الأجر، ويثقل ميزانه يوم الجزاء عليه والعرض.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أول سابق إلى الخيرات، وأصدق الناس قولاً، وأبرهم قصداً، وأزكاهم فعلاً، وأحسنهم عملاً، وأتقاهم لربه وأخشاهم، وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب الجليلة، والخصال الحميدة، والحسنات الكثيرة، والدرجات الرفيعة، ومن تبعهم على الحق واستقام حتى يأتي أمر الله.

    أما بعد، أيها المسلمون:

    ها قد قطعتم الأكثر من شهر الصيام، ولم يبق منه إلا أيام يسيرة، فمن كان محسناً فيما مضى فليحمد الله، وليزدد من البر والإحسان، ومن كان مسيئاً قد فرط وقصر، وتكاسل وتهاون، فليتق الله فيما بقي، وليتدارك نفسه فيها فيحسن إليها بالتوبة الصادقة النصوح، والإكثار من الطاعات والقربات، فباب التوبة لا يزال مفتوحاً، والله يحب التوابين، وهو أرحم بالعباد من أنفسهم وأهليهم ومن في الأرض جميعاً، ولا زال في زمن فاضل مبارك تضاعف فيه الحسنات، وقد قال - عز وجل - مبشراً ومحفزاً له: { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }.

    وقال سبحانه: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}.

    أيها المسلمون:

    دونكم جملة من المسائل المتعلقة بزكاة الفطر، عسى الله أن ينفع بها القائل والمستمع، إنه سميع مجيب.

    المسألة الأولى:

    تجب زكاة الفطر على المسلم الحي سواء كان ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً حراً أو عبداً، وذلك لقول عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ )) روه البخاري ومسلم.

    المسألة الثانية:

    الجنين الذي لا زال في بطن أمه لا يجب إخراج زكاة الفطر عنه، ولكن يستحب باتفاق المذاهب الأربعة، نقله عنهم العلامة ابن مفلح - رحمه الله - وغيره، وقد كان السلف الصالح - رحمهم الله - يخرجونها عنهم، فقد صح عن التابعي الجليل أبي قِلابة - رحمه الله - أنه قال: (( كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى عَلَى الْحَبَلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ )) رواه عبد الرزاق.

    المسألة الثالثة:

    المسلم الفقير له حالان:

    الحال الأول: أن يكون معدماً لا شيء عنده، وهذا لا تجب عليه زكاة الفطر باتفاق أهل العلم، نقله عنهم الحافظ ابن المنذر - رحمه الله -.

    الحال الثاني: أن يملك طعاماً يزيد على ما يكفيه ويكفي من تلزمه نفقته من الأهل والعيال ليلة العيد ويومه أو ما يقوم مقامه من نقود، وهذا تجب عليه زكاة الفطر عند أكثر أهل العلم - رحمهم الله -.

    المسألة الرابعة:

    زكاة الفطر تُخرج من غالب قوت البلد الذي يُعمل فيه بالكيل بالصاع سواء كان تمراً أو شعيراً أو زبيباً أو بُراً أو ذرة أو دُخناً أو عدساً أو فولاً أو حمصاً أو غير ذلك.

    ومقدار ما يُخرج في هذه الزكاة هو صاع، والصاع كيل معروف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقبله وبعده، وهو بالوزن المعاصر ما بين الكيلوين والنصف إلى الثلاثة.

    المسألة الخامسة:

    يجوز أن تُخرج زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين، لقول التابعي الجليل نافع مولى ابن عمر- رحمه الله -: (( وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ )) رواه البخاري.

    والأفضل أن تُخرج بعد الفجر قبل الخروج إلى صلاة العيد، وذلك لقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ،...، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ )) رواه البخاري ومسلم.

    وذكر الإمام مالك - رحمه الله - في "الموطأ": (( أَنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُخْرِجُوا زَكَاةَالْفِطْرِ، إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُوا إِلَى الْمُصَلَّى )).

    وليحذر الإنسان من تأخيرها حتى تنتهي صلاة العيد، فقد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ )) رواه أبو داود وابن ماجه.

    ومن أخرها عمداً حتى انقضى يوم العيد فقد أثم، وكان مرتكباً لمحرم باتفاق أهل العلم - رحمهم الله - ذكره ابن رشد وابن رسلان - رحمهما الله -.

    ومن أخرها نسياناً أو جهلاً أو بسبب عذر حتى انتهت صلاة العيد ويومه كمن يكون في سفر وليس عنده ما يخرجه أو من يخرج إليه، أو اعتمد على أهله أن يخرجوها واعتمدوا هم عليه، فإنه يخرجها متى تيسر له ذلك واستطاع، ولا إثم عليه.

    المسألة السادسة:

    لا يجوز أن تُخرج زكاة الفطر من النقود، بل يجب أن تُخرج من الطعام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها من الطعامً، فلا يجوز العدول عما فرض إلى غيره، والدراهم والدنانير قد كانت موجودة في عهده وعهد أصحابه من بعده، ومع ذلك لم يخرجوها إلا من الطعام، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: (( فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ )) رواه البخاري ومسلم.

    وقال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: (( كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ )) رواه البخاري ومسلم.

    ومن أخرجها نقوداً بدل الطعام لم تجزئه عند أكثر الفقهاء- رحمهم الله -، ومنهم مالك والشافعي وأحمد.

    بارك الله لي ولكم فيما سمعتم، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأستغفره لي ولكم، إنه غفور رحيم يحب العفو.

    الخطبة الثانية: ــــــــــــــــ

    الحمد لله القوي المتين، خالق الخلق أجمعين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

    أما بعد، أيها المسلمون:

    لا زال الحديث معكم متواصلاً عن المسائل المتعلقة بزكاة الفطر، فأقول مستعيناً بالله ربي وربكم العظيم:

    المسألة السابعة:

    تعطى زكاة الفطر للفقراء والمساكين - رزقهم الله وسد حاجتهم -، فقد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ )) رواه أبو داود وابن ماجه.

    ولا يجوز أن تعطى لغير المسلمين حتى ولو كانوا فقراء أو قرابة أو جيران، وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء- رحمهم الله -، ومنهم: مالك والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور.

    المسألة الثامنة:

    يُخرج الرجل زكاة الفطر عمن يمون من أهله وينفق عليهم من زوجة وأولاد وغيرهم تبعاً للنفقة، وقد صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنمها -: (( أَنَّهَا كَانَتْ تُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مَنْ تَمُونُ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ )).

    وإذا كان الرجل يعيش في بلد ومن ينفق عليهم يعيشون في بلد آخر، فإن السنة أن يخرج عن نفسه حيث يسكن، ويخرجون هم حيث يسكنون.

    المسألة التاسعة:

    قال العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله -:

    السنة توزيع زكاة الفطر بين فقراء البلد صباح يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز توزيعها قبل ذلك بيوم أو يومين ابتداء من اليوم الثامن والعشرين، وإذا سافر من عليه زكاة الفطر قبل العيد بيومين أو أكثر أخرجها في البلاد الإسلامية التي يسافر إليها، وإن كانت غير إسلامية التمس بعض فقراء المسلمين وسلمها لهم، وإن كان سفره بعد جواز إخراجها فالمشروع له توزيعها بين فقراء بلده؛ لأن المقصود منها مواساتهم والإحسان إليهم وإغناؤهم عن سؤال الناس أيام العيد.اهـ

    وقال العلامة صالح بن فوزان الفوزان - سلمه الله -:

    فصدقة الفطر لها مكان تخرج فيه، وهو البلد الذي يوافي تمام الشهر والمسلم فيه، ولها أهل تصرف فيهم، وهم مساكين ذلك البلد، ولها نوع تخرج منه، وهو الطعام؛ فلا بد من التقيد بهذه الاعتبارات الشرعية، وإلا فإنها لا تكون عبادة صحيحة، ولا مبرئة للذمة.

    وقد اتفق الأئمة الأربعة على وجوب إخراج صدقة الفطر في البلد الذي فيه الصائم مادام فيه مستحقون لها، وصدر بذلك قرار من هيئة كبار العلماء في المملكة؛ فالواجب التقيُّد بذلك، وعدم الالتفات إلى من ينادون بخلافه؛ لأن المسلم يحرص على براءة ذمته، والاحتياط لدينه.اهـ .

    اللهم ارزقنا توبة صادقة، وحسنات متزايدة، وقلوباً تخشع، وإقبالاً على الطاعة، وبعداً عن المعاصي، وتركاً لأماكنها وأهلها.

    اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، وارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع، وارفع عنهم الأمراض والأوبئة، وأعذهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وسائر طاعاتنا، واجعلنا ممن صام وقام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له ما تقدم من ذنبه، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، إنك سميع الدعاء.

    خطبة ألقاها:

    عبد القادر بن محمد الجنيد (1425هجري)

       طباعة 
     

     
     
    table
    التعليقات : تعليق
     

    « إضافة تعليق »

    اضافة تعليق
    اسمك
    ايميلك

    /500
    تعليقك
    3 + 9 = أدخل الكود

     
     
    table
    جديد المقالات
     

    جديد المقالات
    رزيق بن حامد القرشي - تراجم العلماء و طلاب العلم
    الحقوق المشتركة بين الزوجين - ركــــن الـمـقـالات

     
     
    عدد الزوار
    انت الزائر :2790962
    [يتصفح الموقع حالياً [ 171
    الاعضاء :0الزوار :171
    تفاصيل المتواجدون
    الرجاء ملاحظة أنك بحاجة إلى هذه البرامج

    Powered by: MktbaGold 6.5